محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
71
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
أبلغ من الزهد في الدنيا » . وقال أبو سليمان الداراني رضي اللّه تعالى عنه : « سألت معروفا الكرخي « 1 » رضي اللّه تعالى عنه ، عن الطائعين للّه بأي شيء قدروا على الطاعة ؟ فقال : بإخراج الدنيا من قلوبهم ، ولو كان شيء منها في قلوبهم ما صحّت لهم سجدة . وقال الشيخ أبو عبد اللّه القرشي ، رضي اللّه تعالى عنه : « شكا بعض الناس لرجل من الصالحين أنه يعمل أعمال البرّ ولا يجد حلاوة في قلبه ، فقال : لأن عندك بنت إبليس وهي الدنيا ، ولا بد للأب أن يزور ابنته في بيتها وهو قلبك ، ولا يؤثر دخوله إلا فسادا » . وكان أبو محمد بن سهل رضي اللّه تعالى عنه يقول : « يعطّى الزاهد ثواب العلماء والعبّاد ، ثم يقسم على المؤمنين ثواب أعماله » قال : ولا يرى في القيامة أحد أفضل من ذي زهد عالم ورع . حسن الأعمال نتائج حسن الأحوال ، وحسن الأحوال من التحقق في مقامات الأنزال . حسن الأعمال توفيتها بما يجب لها من شروط وآداب عبودية للّه تعالى ، لا لطلب حظّ عاجل ، ولا لثواب آجل . وحسن الأحوال : أن تكون سالمة من العلل والدعاوي موسومة بسمة الصدق . والتحقق في مقامات الأنزال : هو ارتواء القلب بما ينزله الحق تعالى فيه من مقامات العلوم والمعارف ، بحيث ينتفي عنه كلّ شك وريب . وهذه الثلاثة المذكورة مرتب بعضها على بعض ، وهو بمعنى ما يقوله الإمام أبو حامد رضي اللّه تعالى عنه : « لا بد في كل مقام من مقامات اليقين من علم وحال وعمل ؛ فالعلم ينتج الحال ، والحال ينتج العمل » ، وبهذا الكلام الذي ذكره المؤلف رحمه اللّه تعالى نوع استدلال على ما قاله في الزاهد والراغب . لا تترك الذكر لعدم حضورك مع اللّه فيه ، لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره ، فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة ، ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حصور ، ومن ذكر مع وجود حضور
--> ( 1 ) معروف بن فيروز الكرخي ( توفي 200 ه - 815 م ) أبو محفوظ أحد أعلام الزهاد والمتصوفين كان من موالي الإمام علي الرضي بن موسى الكاظم ، ولد في كرخ بغداد ، ونشأ وتوفي ببغداد . اشتهر بالصلاح وقصده الناس للتبرك به . ( الأعلام 7 / 269 ، والرسالة القشيرية ص 427 ، ووفيات الأعيان 5 / 231 - 233 ) .